حبيب الله الهاشمي الخوئي

397

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسّطة بين الحواس والمحسوسات لا يتمّ الحواسّ إلَّا بها كمثل الضياء والهواء فانّه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون ، ولو لم يكن هواء يؤدّي الصّوت إلى السّمع لم يكن يدرك الصوت فهل يخفى على من صحّ نظره واعمل فكره انّ مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقى بعضا وتهيئة أشياء اخر بها يتمّ الحواسّ لا يكون إلَّا بعمد وتقدير من لطيف خبير فكَّر يا مفضل فيمن عدم البصر من النّاس وما يناله من الخلل في أموره فانّه لا يعرف موضع قدمه ولا يبصر ما بين يديه فلا يفرق بين الألوان وبين المنظر الحسن والقبيح فلا يرى حفرة إن هجم عليها ولا عدوّا إن هوى إليه بسيف ، ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصّناعات مثل الكتابة والتّجارة والصّياغة حتّى أنّه لولا نفاد ذهنه لكان كالحجر الملقى . وكذلك من عدم السّمع يختلّ في أمور كثيرة فانّه يفقد روح المخاطبة والمحاورة ويعدم لذّة الأصوات واللحون الشّجية المطربة ، وتعظم المؤنة على النّاس في محاورته حتّى تبرّموا به ولا يسمع شيئا من اخبار النّاس وأحاديثهم حتّى يكون كالغايب وهو شاهد وكالميّت وهو حىّ . وقوله ( وأشلاء جامعة لاعضائها ) الظاهر أنّ المراد بالشّلو هنا العضو وليس كناية عن الجسد كما زعمه البحراني إذا لأبدان مذكورة بعد ذلك فيلزم التكرار مع أنّ إرادة الجسد على تقدير صحّتها لا حاجة فيها إلى الكناية لما قد عرفت من اشتراكه لغة بين الجسد والعضو . فان قلت : إرادة العضو ينافيها قوله عليه السّلام جامعة لأعضائها ، إذ الشيء لا يجمع نفسه . قلت : يمكن توجيهه بما وجّهه الشّارح المعتزلي من جعل المراد بالأشلاء الأعضاء الظاهرة وبالأعضاء الأعضاء الباطنة ولا ريب أنّ الأعضاء الظاهرة تجمع الأعضاء الباطنة ( ملائمة لأحنائها في تركيب صورها ومدد عمرها ) أي جعل الأعضاء مناسبة